طنيش يكتب : طنجة وخبزها الحافي المبلل بمر ماء وعرق وبكاء

كنال 13 بالعربي

سابقا كتب أديب طنجة محمد شكري الذي ساهم في عالمية هذه المدينة المؤسسة قبله، رواية واقعية فاضحة “الخبز الحافي” وذلك سنة 1972؛ إذ ترجمت إلى عدة لغات وأتارت جدلا كبيرا داخل المغرب وخارجه من طرف النقاد وعموم القراء والجهات الرسمية خصوصا حينما تقرر في إحدى المناسبات إدراجها في دراسة المؤلفات، والأمر راجع أننا وكعادتنا نخبأ عيوبنا ولا نود أن نرى في المرآة حقيقة وجوهنا، ودائما لا نود أن نفتح أمامنا العلبة السوداء لنبقى في حالة تخفي، لكي نعيش بغير حقيقنا،

“الخبز الحافي” عرى عن الواقع وسرد أحداثا تدور حول مأساة إنسانية بحتة بكل المعايير، حيث ينتقل بطل الرواية إلى مدينة طنجة مع أسرته بسبب الفقر، لكن والده كان قاسيا وظالما، صوره الكاتب ببشعه وعنفه وانحرافه ودوره في تدمير حياة أبنائه أخلاقيا وروحيا في شتى المناحي، فقد قتلالأب في الرواية الأخالصغير للسارد في لحظة غضب، مما يؤدي إلى رفض السارد لنظام الأسرة المعروف، معبرا عن سخطه على الأب وتسلطه على أفراد الأسرة، ومع متواليات الرواية تستمر معاناة الأسرة في طنجة، فتعمل والدة السارد في بيع الفواكه والخضار ووالده في السجن، وظل السارد شاردا يتنقل بين مزابل الأوروبيين الغنية بعكس مزابل المغاربة الفقيرة على حد تعبيره، كماكان عمل وهو دون سن العاشرة وهو صبيا في أحد المقاهي لتبدأ حياته بالسقوط في منحدرات الجهالة والتسكع أكثر إلى مخافر الضياع.

في العالم السفلي تقع أكثر من هذه الأحداث، وذلك حينما تغيب مؤسسة الأب، مؤسسة القانون مؤسسة المواطنة، مؤسسة التتبع، وبدل كل هذا تحضر في هذا الغيابسلسلة الإنفلاتات، لعوالم بدون خرائط ومن هنا تناسلت أحداث كثيرة، نقف هنا عند حدثين قريبين ومتشابهين،الأول حدث سنة 2008 مع معمل الأفرشة “روزامور”، الشبيه بالحدث الجديد بطنجة مع فارق في عدد الضحايا، الأول أحرق فيه 55 مواطنا، لسنا ندري ماذا وقع فيما بعد في إطار إحقاق الحق ومتابعة المخل بالقانون وتعويض المتضررين أو بالأحرى أسرهم ودوي الحقوق، والثاني غرق على حين غرة ل 28 مواطنا في معمل طنجة، وهي أعداد تدرج الحدثين معا في إرهاب اجتماعي واقتصادي، من خلال عدد الضحايا، أليس الإرهاب هو أن تزهق أرواح أبرياء بدون دنب، وتترك ضحايا أحياء يعانون نفسيا واجتماعيا وحتى اقتصاديا، أليس الإرهاب أن تملأ عقول مستلبين من خلال وضعهم الاجتماعي وترمي بهم إلى المجهول، أليس الإرهاب أن تمرغ في الوحل قيمة وطن له فتوحات ديبلوماسية ويترصون به ويؤولون إسهاماته وبنائه لمغرب حداثي ديمقراطي، أليس من الإرهاب أن ينتمي هذا المعمل إلى الفضاأت السرية وهو معلن عنه من خلال التدابير التي نعلم في علاقة مع أصحاب الضرائب ومع الجهات التي ترخص وتراقب وتتبع ولها عيون من أهم أدوراها أن نحارب الفضاأت السرية التي يأتينا منها البلاء، وعلى رأسه الإرهاب، مع العلم أن هذا المعمل ليس سريا ومن الممكن أن نقوم متستر عليه، لكل هذه المعطيات أدرج شخصيا هذا الحدث في الإرهاب، ومن ساهم في التستر ساهم في حماية الإرهاب، وأتمنى في هذه النازلة بهذه اللبسات أن يتدخل فقهاء القانون في هذا المجال ليجتهد المشرع، ويضع القوانين لحماية المواطنين من تجار الأزمات، الذي يشتبه فعلهم بالإرهاب.

مع حدث طنجة كتبت رواية واقعية أخرى لها نفس الدراما اسمها الخبز المر المبلل بالماء والعرق والمطر والدموع، دموع شهداء الفقر ودموع آهالي الفقر، وقائع مؤهلة لسرد رواية تنتمي للإرهاب الاجتماعي والعنصري والقانوني والاقتصادي الذي تقوده باطرونا الجشع والاستغلال، وهي الكارثة الكبرى التي تنخر مجتمعنا والمرتبطة مباشرة بالقطاع غير مهيكل، هذا القطاع الذي فك عنه حصار التعتيم وأعلن عن العدد الرسمي بتأشير من الدولة في زمن كورونا، والملف مازال مفتوحا من طرف لجنة اليقظة التي ندعوها ويقظتها بأن تكون في مستوى الرهان، وتساهم في المرحلة المركزية الهامة من معالجة الملف، وهي أن تفتح قضية تأهيل القطاعات غير مهيكلة إلى مجال الهيكلة، في إطار عدالة مجتمعية مواطنية نرى مدخلها هو تخصيص كناش التحملات، من تم سيظهر المتهرب من الضرائب باسم القطاع غير مهيكل وسيظهر تجار الأزمة وسيظهر التاجر الحقيقي من المزيف وسيظهر من يصطاد في الماء العكر وستظهر الفئة الحقيقية التي هي القطاع غير مهيكل بلحمها ودمها وواقعها، بل وحتى وطنيتها.

أحمد طنيش

Canal 13


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...