بين منطق التعديل ومنطق السحب رد مهني هادئ على الزملاء الداعين إلى تعديل مشروع قانون المحاماة بدل سحبه: نقطة الاختلاف هي فلسفة المشروع برمته

بين منطق التعديل ومنطق السحب رد مهني هادئ على الزملاء الداعين إلى تعديل مشروع قانون المحاماة بدل سحبه: نقطة الاختلاف هي فلسفة المشروع برمته
20:39 الاثنين 02 فبراير 2026

 

بقلم: المحامية سليمة فراجي

تبعا لما أثرتُه  حول ضرورة سحب المشروع بدل تقديم تعديلات من طرف الفرق البرلمانية ، و في سياق النقاش الدائر داخل الجسم المهني حول مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، اثار انتباهي و اجابني احد الزملاء  يرى أن المشروع، رغم ما يشوبه، من اختلالات يتضمن مقتضيات إيجابية تستحق المناقشة والتعديل بدل المطالبة بسحبه.
وانطلاقًا من الاحترام الواجب للرأي المهني المخالف، فإن هذا الموقف يستحق جوابًا موضوعيًا هادئًا، لا يقوم على المزايدة، بل على توضيح زاوية النظر التي تجعل شريحة واسعة من المحامين تنتصر لخيار السحب بدل التعديل.
الملاحظة الاولى 
حول التوجه القائل بوجود مقتضيات إيجابية
اثار المنتصرون لبعض المقتضيات انها  خطوات تنظيمية مهمة، ومن بينها ما أشار إليه الاستاذ الجليل احمد ابادارين من هيئة مراكش والتي تتلخص في النقط التالية 
-إحداث مجلس لهيئات المحامين
-تحديد آجال للبت في التسجيل والشكايات والمتابعات التأديبية
-إقرار مسطرة التحكيم في النزاعات المهنية
-ضبط شروط الترشح للأجهزة
-تحديد مدة الولايات ودورية الجموع العامة
-تكريس تمثيلية الجنسين
-فرض التكوين المستمر
-تنظيم الولوج عبر معهد التكوين
-توسيع مجال عمل المحامي
-اعتبار أتعابه ديونًا ممتازة
جميل ان نعتبر هذه المقتضيات تندرج ضمن متطلبات التحديث ومواكبة مستجدات العصر  
لكن 
نقطة الاختلاف ليست  في بعض المقتضيات ، بل في فلسفة النص برمته 
و الإشكال المطروح لا يتعلق بوجود مقتضيات تنظيمية مفيدة، بل بالسؤال الآتي:
هل المشروع في بنيته العامة، يعزز استقلال المهنة أم ينقلها نحو نمط تأطير إداري؟
اعتبارا من كون القوانين المهنية ذات الصلة بالحقوق والحريات لا تُقاس بعدد المستجدات، بل بـموقع  المهنة داخل النص: هل هي فاعل مستقل يمارس تنظيمه الذاتي؟
أم مهنة مؤطرة ضمن منظومة ضبط إداري مركزي؟
وجه الاعتراض الجوهري هو أن المشروع، في صيغته الحالية، يحمل توجهاً يعيد صياغة علاقة المهنة بالدولة على نحو يُضعف منسوب التنظيم الذاتي، حتى وإن تضمّن آليات تدبيرية تبدو حديثة.
لذلك لماذا لا تكفي بعض الايجابيات لتبرير الاكتفاء بالتعديل؟
لأن القراءة المتأنية للمقتضيات المعتبرة ايجابية  هي:
-أدوات تنظيم (آجال، مساطر، مؤسسات)
-آليات تدبير (تكوين، تحكيم، شروط ترشح)
لكن هذه الأدوات تبقى محايدة في ظاهرها، وتكتسب طبيعتها الحقيقية من السياق الذي توضع فيه:
فإذا أُدرجت داخل فلسفة تعزز الاستقلال ، تصبح وسائل تطوير.
اما إذا أُدرجت داخل تصور يقوم على الضبط والتوجيه  فانها تتحول حتما  إلى أدوات تأطير وضبط.
لذلك اجيب الاستاذ ابادارين ان وجود مقتضيات إيجابية لا ينفي أن النسق العام للنص قد يؤدي إلى إعادة هندسة المهنة في اتجاه مغاير لطبيعتها كمهنة حرة.
واذا كان الشيء بالشي يذكر لا نستعير فصاحة الخطباء لنصرح اننا  أمام إعادة هندسة للمهنة لا مجرد تعديل تقني
فالمشروع لا يمس تفصيلاً جزئياً، بل يتناول مسارات الولوج ، منظومة التكوين ، البنيات التمثيلية ، آليات التأديب،  هندسة التنظيم المهني

وعندما يطال التشريع هذه المستويات مجتمعة، فإننا نكون أمام:
تحول بنيوي في تصور المهنة، وليس مجرد إصلاح جزئي.
وهذا النوع من التحول لا يُعالج بمنطق “تعديلات البرلمانيين لبعض المواد”، بل بمنطق إعادة النظر في الفلسفة المؤطرة للنص.
من خلال هذه المناقشة يطرح السوال الآتي : لماذا يصبح خيار السحب منطقياً في هذه الحالة؟
-لأن الخلل مؤسساتي لا جزئي
فعندما يكون الإشكال في روح النص وتصور العلاقة بين المهنة والسلطة التنظيمية، فإن التعديل يعالج النتائج لا الأسباب.

الملاحظة الثانية 
من جهة اخرى وشخصيا قضيت خمس سنوات في لجنة العدل والتشريع وادركت ان الثقة في المسار التشريعي    غير واردة في  الولاية الحالية التي بصمها الوزير الحالي  بفوران تشريعي متأزم 
وان المقاربة التشاركية لم تبلغ المستوى المطلوب، ومذكرات الهيئات لم تجد انعكاسها الكافي، مما يجعل الرهان على تعديلات جوهرية داخل المسار نفسه رهاناً غير مضمون

ولا يفوتني ان أشير وكما اشرت إلى ذلك في كتاباتي السابقة ان التعديل البرلماني محدود الأثرخصوصا وان الحكومة تملك عصمة القانون بحكم توفرها على اغلبيها البرلمانية 
علما ان التحولات الكبرى في فلسفة القوانين المهنية لا تتم عادة عبر تعديلات متفرقة داخل البرلمان، بل عبر إعادة صياغة شاملة تنطلق من حوار مؤسساتي حقيقي.

وختاما يعتبر موقف المطالبين بالسحب  ليس رفضاً للإصلاحات و   لا يعني معارضة التكوين و التحديث و الحكامةو تطوير التنظيم
بل يعني فقط رفض أن يتم الإصلاح على حساب استقلال المهنة، أو عبر تصور يعيد تعريف المحامي كفاعل مؤطر إدارياً بدل شريك في العدالة.

خلاصة القول ان الاختلاف مع الزملاء الداعين إلى التعديل ليس خلافاً حول بعض المقتضيات، بل حول منهج الإصلاح وحدوده.
فحين يكون النص حاملاً لتحول في فلسفة المهنة، يصبح السحب مدخلاً لإعادة البناء في إطار تشاركي حقيقي، يضمن تحديث المهنة دون المساس بجوهرها كسلطة دفاع مستقلة داخل منظومة العدالة.

 

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات

0
صوت وصورة
توقيف 14 شخصا لتورطهم في قضية
السبت 13 دجنبر 2025 - 22:06

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 15:31

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 15:28

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 13:15

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 13:14

صوت وصورة
الخميس 12 شتنبر 2024 - 12:37