عدالة الكاف أم انتقائية العقاب؟ حين تتحول لجنة الانضباط إلى محكمة بلا ميزان

عدالة الكاف أم انتقائية العقاب؟ حين تتحول لجنة الانضباط إلى محكمة بلا ميزان
14:46 الخميس 29 يناير 2026

 

بقلم : أمين شطيبة

أعاد نهائي كأس أمم إفريقيا إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا في كرة القدم الإفريقية: هل تطبّق لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) القانون بالمنطق نفسه على جميع الأطراف؟ أم أن بعض القرارات تُصاغ وفق ميزان غير معلن، تتحكم فيه الاعتبارات الظرفية أكثر مما تحكمه الوقائع؟

في هذا النهائي، لم يكن المشهد رياضيًا خالصًا بقدر ما كان انضباطيًا بامتياز، لم تتصدر العناوين مجريات اللعب بقدر ما تصدرتها البلاغات التأديبية، وكأن المباراة لم تُحسم فوق العشب، بل داخل دفتر العقوبات.

القانون طُبّق… ولكن بأي روح؟

من الناحية الشكلية، لا يمكن إنكار أن القانون التأديبي طُبّق، غير أن الإشكال لا يكمن في وجود العقوبات، بل في اتجاهها وطريقة توزيعها، ففي هذا النهائي، كل حركة وُثّقت، كل احتجاج حُسب، كل تفصيل دُقّق فيه بدقة لافتة، خصوصًا حين تعلق الأمر بالمغرب.

الأمر لم يكن نهائيًا قاريًا فقط، بل تمرينًا عمليًا في تحويل الوقائع إلى مخالفات، والسياق إلى عنصر ثانوي، والانفعال المشروع إلى سلوك مؤاخذ عليه.

السنغال: واقعة انسحاب وعقوبات بلا أثر ردعي

في المقابل، عرفت المباراة أحداثًا جسيمة، أبرزها انسحاب المنتخب السنغالي وتوقف المباراة، وسط أجواء من الضجيج والاحتجاج والتشكيك في التحكيم، منطقيًا، كان يُنتظر تعاطٍ استثنائي مع واقعة تُعد من أخطر ما يمكن أن تعرفه مسابقة قارية رسمية.

غير أن القرارات الصادرة في هذا الملف اتسمت بـالتحفظ والاقتصار على عقوبات فردية وغرامات مالية، دون إجراءات تُعطي الانطباع بوجود أثر ردعي حقيقي، أو تُوازي خطورة تعطيل مباراة رسمية في نهائي قاري.

مدرب السنغال… إساءة موثقة وعقوبة مخففة

وما يزيد من حدة التساؤلات، سلوك مدرب المنتخب السنغالي، الذي لم يقتصر تأثيره على أرضية الملعب، بل امتد إلى المحيط الإعلامي والتنظيمي، فقد تأخر عن الندوة الصحفية الرسمية في خرق واضح للبروتوكول، قبل أن يُقدم على تصرفات وُصفت بالمسيئة في حق الصحفيين، ما خلق حالة من البلبلة وأسهم في تأجيج الأجواء داخل الملعب وخارجه في لحظة كانت تتطلب أعلى درجات الانضباط، ورغم ذلك، جاءت العقوبة في حقه مخففة نسبيًا، لا تعكس، في نظر كثيرين، حجم الضرر المعنوي والتنظيمي الذي خلّفته تلك التصرفات، ولا ترقى إلى مستوى الردع المطلوب حين يتعلق الأمر باحترام الإعلام وصورة المنافسة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يُعد الانسحاب من مباراة رسمية أقل خطورة من الاحتجاج؟ وأي رسالة تُرسلها الكاف حين تُختزل واقعة بهذا الحجم في مقاربة تقنية محدودة؟

المغرب: عقوبات بتفصيل دقيق وتأويل موسّع

في المقابل، جاء التعامل مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أكثر تشعبًا من حيث البنود، وأكثر توسعًا في تحميل المسؤوليات، عقوبات شملت اللاعبين، الطاقم، محيط المباراة، وحتى تفاصيل تنظيمية جانبية، في قراءة دقيقة، بل صارمة، لمجريات ما بعد اللقاء.

هذا التفاوت في المقاربة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول منطق الاجتهاد التأديبي داخل الكاف: لماذا يُشدَّد في بعض الملفات ويُخفَّف في أخرى؟
ولماذا يُغلق النقاش في الوقائع المقابلة دون تفسير مفصل، مكتفيًا برفض شكلي؟

حين تتحول لجنة الانضباط إلى غرفة تسويات …

المشكلة لم تعد مرتبطة بحجم الغرامات أو عدد الإيقافات، بل بـغياب خطاب تأديبي واضح، متسق، وقابل للفهم، فالعدالة الرياضية لا تُقاس فقط بالنصوص، بل بطريقة تفسيرها، وبقدرتها على إقناع الرأي العام بأن القانون يُطبَّق على الجميع بالمعايير نفسها.

حين تُغلق الملفات دون شرح، وحين تُدار القرارات بمنطق تهدئة الأجواء أكثر من حماية القانون، تفقد لجنة الانضباط جزءًا من مصداقيتها، وتتحول من هيئة تقويم إلى آلية تدبير أزمات.


انتهى نهائي كأس أمم إفريقيا، لكن الجدل الذي خلّفته قرارات لجنة الانضباط لم ينتهِ، فالرسالة التي التقطها المتابعون كانت واضحة: في كرة القدم الإفريقية، يُطبَّق القانون… لكن ليس دائمًا بالطريقة نفسها، ولا على جميع الأطراف بالدرجة ذاتها، خصوصًا حين يكون المغرب طرفًا في المعادلة.

وإلى أن تُعيد الكاف الاعتبار لمبدأ العدالة المتوازنة والشفافية التفسيرية، ستظل قراراتها تُنتج الغضب أكثر مما تُنتج الثقة، وتُراكم الأسئلة بدل أن تُغلق الملفات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات

0
صوت وصورة
توقيف 14 شخصا لتورطهم في قضية
السبت 13 دجنبر 2025 - 22:06

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 15:31

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 15:28

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 13:15

صوت وصورة
الأربعاء 06 غشث 2025 - 13:14

صوت وصورة
الخميس 12 شتنبر 2024 - 12:37