بقلم:يوسف الوراق
تشكل البنيات التحتية والمحاور الطرقية عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أي منطقة، غير أن تحول هذه الشرايين إلى نقاط سوداء تهدد أرواح المواطنين يعيد ترتيب الأولويات، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والسياسية. ومن هذا المنطلق، يبرز النقاش الحالي حول الطريق الرابطة بين أبي الجعد وخنيفرة، ليفرز تمايزاً واضحاً بين منطقين: منطق "الترافع المؤسساتي المستمر" المستند إلى الوثائق والمراسلات، ومنطق "الاستهلاك الإعلامي الموسمي" الذي لا يتذكر معاناة الساكنة إلا مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
الترافع بالأرقام والوثائق لا بالشعارات
إن هناك فرقاً جوهرياً بين من يكتشف معاناة الساكنة فجأة عبر المقالات والمنشورات الافتراضية، وبين من حمل هذا الملف الثقيل إلى ردهات المؤسسات الرسمية منذ سنوات. فالطريق الرابطة بين أبي الجعد وخنيفرة لم تصبح اليوم موضوعاً للنقاش بدافع "الحملات الانتخابية القبلية"، بل لأنها تحولت إلى خطر يومي حقيقي يحصد الأرواح، ويعمق عزلة المنطقة، ويعرقل أي أفق للتنمية الاقتصادية.
إن الترافع حول هذا المحور الطرقي لم يبدأ اليوم؛ بل كان، ولا يزال، قائماً وموثقاً داخل قبة البرلمان وفي اللقاءات الرسمية والاجتماعات التناظرية مع وزارة التجهيز والماء، ومع مختلف الجهات المعنية، بملفات تقنية ومواقف واضحة يعرفها القاصي والداني.
حقيقة ميدانية: من السهل جداً إطلاق الاتهامات الجاهزة من قبيل "الاستغلال الانتخابي"، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تقديم دليل واحد يثبت أن هذا الملف لم يكن مطروحاً بقوة وبشكل سابق داخل المؤسسات الدستورية. فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات والتعليقات، بل بالمواقف والمراسلات والأسئلة الرسمية والتتبع الميداني اللصيق.
تفكيك خطاب التضليل وتحديد المسؤوليات
إن محاولة إعطاء الانطباع بأن جهة واحدة أو منتخباً بعينه يتحمل وحده مسؤولية هذا الوضع البنيوي المتأزم، يعد تضليلاً ممنهجاً للرأي العام. فمشاريع الطرق والبنيات التحتية الكبرى هي ملفات مركبة ومتداخلة تتوزع المسؤولية فيها بين:
الدولة والوزارة الوصية (الميزانيات القطاعية).
مجلس الجهة وباقي الشركاء الترابيين والعموميين.
وبناءً عليه، فإن من يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية الحقيقية هو من يختار الصمت أو الاكتفاء بالفرجة والتعليقات السلبية، لا من يواصل الضغط والترافع وطرق أبواب المسؤولين مهما كانت الظروف السياسية.
ومن الغرابة بمكان، أن نجد خطاباً يوجه سهام نقده وهجومه نحو من يتحدث عن معاناة المواطنين ويثيرها داخل المؤسسات، بدل أن يوجه غضبه نحو استمرار المعاناة نفسها وبطء استجابة القطاعات الحكومية! وكأن المطلوب من الفاعل السياسي والمنتخب أن يلزم الصمت ويوقف ترافعه حتى لا يُتهم بالتحرك السياسي، أو أن يترك الطريق تحصد المزيد من الحوادث والمآسي ليرضى البعض عن "توقيت" الكلام.
وعي الساكنة يتجاوز لغة التبخيس
إن الحقيقة التي يعيها المواطنون في أبي الجعد والإقليم جيداً، هي أن أبناء المنطقة لم تعد تستهويهم المقالات الإنشائية أو توزيع صكوك الاتهامات والمزايدات؛ بل يهمهم بالدرجة الأولى من يدافع فعلاً عن ملفاتهم المطلبية داخل المؤسسات، ومن يملك الجرأة السياسية لطرق أبواب الوزارات والإدارات المركزية والترافع المستمر من أجل انتزاع المشاريع التنموية.
أما لغة التشكيك والتبخيس فلن تُصلح طريقاً، ولن تخلق منصب شغل، ولن تنجز مشروعاً متعثراً. الساكنة اليوم بلغت من الوعي ما يكفي للتمييز بين:
من يشتغل بصمت ومسؤولية داخل المؤسسات طيلة الولاية الانتدابية.
من لا يظهر إلا موسمياً مع اقتراب الاستحقاقات لخلق ضجيج إعلامي، ومحاولة تقديم نفسه كحارس وحيد للحقيقة.
التنمية حق لا يقبل التأجيل
إن الدفاع عن قضايا أبي الجعد وخريبكة والمنطقة ككل سيظل واجباً ومسؤولية ثابتة، لا ترتبط بانتخابات ولا بحسابات ظرفية ضيقة. فكرامة المواطنين وحقهم المشروع في التنمية وفي شبكة طرقية آمنة لا يمكن تأجيلهما إلى ما بعد الحسابات السياسية، ولا يمكن جعلهما رهينة للمزايدات الحزبية الضيقة. إنها قضية تنمية مستعجلة، والمسار مستمر حتى تحقيق المطالب العادلة للساكنة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0