حين يتحول الصراع من التنمية إلى الأعراض… ماذا يحدث للمشهد العام في وادي زم؟
افتتاحية رأي بقلم: الإعلامي يوسف الوراق.
في المدن التي تصنع المستقبل، لا يكون التنافس الحقيقي على من يملك أعلى صوت، ولا على من يستطيع التشهير بالآخرين، ولا على من يحقق أكبر عدد من المشاهدات عبر إثارة الفضائح. هناك، يدور الصراع حول من يملك مشروعاً أفضل، ومن يستطيع خلق فرص الشغل، ومن يخدم الثقافة والرياضة، ومن يدافع عن مصالح المواطنين، ومن يترك أثراً حقيقياً في مجتمعه.
أما في وادي زم، المدينة التي تحمل في ذاكرتها تاريخاً نضالياً كبيراً، والتي تحتاج اليوم إلى نقاش جاد حول مستقبلها، فإن المشهد العام بدأ، في نظر كثيرين، ينزلق نحو نوع آخر من الصراعات: صراعات شخصية، وتبادل للاتهامات، ونبش في الحياة الخاصة، وتحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتصفية الحسابات.
وهنا يطرح السؤال نفسه: متى أصبح الحديث عن أعراض الناس وحياتهم الخاصة بديلاً عن الحديث عن مستقبل المدينة؟
من صراع الأفكار إلى صراع الأعراض
الاختلاف السياسي أمر طبيعي، بل ضروري في أي مجتمع ديمقراطي. فمن حق هذا أن ينتقد ذاك، ومن حق المعارض أن يسائل المسؤول، ومن حق المواطن أن يطالب بالمحاسبة.
لكن الخط الأحمر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إهانة وتشويه وتشهير ونبش في الماضي والحاضر العائلي والشخصي للأفراد.
عندما يصبح النقاش: من قال؟ ومن نشر؟ ومن ظهر مع من؟ ومن كانت له علاقة بمن؟ ومن يملك صورة أو تسجيلاً؟ فإننا نكون قد ابتعدنا مسافة كبيرة عن جوهر السياسة.
فالسياسة ليست غرفة أسرار، ولا سوقاً للفضائح.
والإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى تمزيق أعراض الناس حتى يجذب الجمهور.
وادي زم تستحق نقاشاً أكبر
وادي زم ليست مجرد مدينة تتصارع فيها الحسابات والصفحات الافتراضية.
إنها مدينة لها تاريخ ورجال ونساء، ولها أحياء تعاني، وشباب يبحث عن فرصة، وأسر تنتظر خدمات صحية أفضل، ومواطن يريد طرقاً وبنية تحتية وفرصاً اقتصادية، ومجالاً رياضياً وثقافياً قادراً على احتضان الطاقات المحلية.
فلماذا لا يكون التنافس حول هذه الملفات؟
لماذا لا نرى سجالاً حقيقياً حول التشغيل والاستثمار، الصحة، التعليم، الرياضة، الثقافة، النظافة، النقل، البنية التحتية، وتنمية المدينة والمجالات القروية المحيطة بها؟
لماذا لا يتنافس الفاعلون السياسيون على تقديم برامج قابلة للتنفيذ بدل التنافس على إسقاط بعضهم البعض؟
المشكلة ليست في الأشخاص… بل في ثقافة المشهد
من أخطر ما أنتجته منصات التواصل الاجتماعي أنها جعلت المشاهدات في بعض الأحيان معياراً للنجاح.
وهكذا أصبح المحتوى الأكثر إثارة للجدل ينتشر أسرع من المحتوى الجاد، وأصبحت بعض الحسابات تبحث عن الفضائح والاستفزاز والابتذال لأنها تعرف أن الخلاف يجلب التفاعل.
لكن عدد المشاهدات لا يعني بالضرورة قيمة المحتوى.
قد تحقق جملة جارحة آلاف المشاركات، بينما لا يقرأ مقال يتحدث عن مشروع تنموي إلا عدد محدود.
وهنا تكمن مسؤولية المجتمع والإعلام والمواطن معاً: هل نكافئ المحتوى الذي يبني أم المحتوى الذي يهدم؟
حين يصبح الجسد سلعة للمشاهدات
ومن المؤسف أيضاً أن بعض المحتويات المنشورة على المنصات الرقمية أصبحت تعتمد على الاستعراض المفرط للجسد والإيحاءات الجنسية والاستفزاز من أجل تحقيق المشاهدات وجذب المتابعين.
لكن من المهم هنا ألا نخلط بين انتقاد ظاهرة المحتوى المبتذل وبين إهانة النساء أو وصمهن جميعاً بأوصاف مهينة.
المرأة، كما الرجل، لها كرامتها وحقوقها، ولا يجوز تحويلها إلى مادة للتشهير أو التنمر.
المشكلة الحقيقية هي في منظومة المحتوى التي تجعل الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، يحول حياته الخاصة أو جسده إلى وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الشهرة بأي ثمن.
كما أن اتهام أي شخص بممارسة الدعارة أو القوادة أو غيرها من الأفعال الخطيرة لا يجوز أن يكون مبنياً على الإشاعات أو كلام الشارع؛ فهذه اتهامات تحتاج إلى أدلة وإجراءات قانونية، وليست مادة للفرجة على مواقع التواصل.
من المسؤول عن انخفاض مستوى الحوار؟
المسؤولية لا تقع على طرف واحد.
هناك مسؤولية على السياسي الذي يسمح بتحويل خلافاته إلى معارك شخصية.
وهناك مسؤولية على بعض الصفحات التي تنشر الاتهامات دون تحقق.
وهناك مسؤولية على من يشارك محتوى مهيناً فقط لأنه يوافق هواه.
وهناك مسؤولية أيضاً على الجمهور الذي يمنح المحتوى التافه ملايين المشاهدات بينما يتجاهل القضايا التي تمس حياته اليومية.
فالمشهد الرقمي في النهاية مرآة للمجتمع؛ وما ينتشر فيه يعكس، إلى حد كبير، ما يختار الجمهور أن يمنحه اهتمامه.
نحن بحاجة إلى معركة من نوع آخر
وادي زم بحاجة إلى معركة حقيقية، نعم.
لكنها ليست معركة المؤخرات، ولا معركة الفضائح، ولا معركة الأعراض.
نحن بحاجة إلى معركة من أجل المستشفى، ومعركة من أجل المدرسة، ومعركة من أجل الرياضة، ومعركة من أجل الاستثمار، ومعركة من أجل الشباب، ومعركة من أجل الكرامة والتنمية.
نحتاج إلى سياسي يناقش بالأرقام.
وإعلامي يبحث عن الحقيقة بالدليل.
ومثقف يرفع مستوى النقاش.
ورياضي يصنع أملاً للشباب.
ورجل أعمال يستثمر في المدينة.
ومواطن يراقب ويسائل ويحاسب بالوسائل القانونية والديمقراطية.
كلمة أخيرة
وادي زم لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج.
لقد عرفت المدينة في تاريخها رجالاً دفعوا ثمناً غالياً من أجل الكرامة والوطن، ولذلك فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهذه المدينة هو أن نرتقي بمستوى الخطاب حولها.
فمن العيب أن تتحول مدينة بتاريخ وادي زم إلى مسرح للصراعات الشخصية، بينما ملفات التنمية تنتظر من يفتحها.
ومن العيب أن يصبح التشهير أكثر انتشاراً من البرامج، والفضيحة أكثر جاذبية من الحقيقة، والسب أكثر حضوراً من الحوار.
لنختلف، نعم.
لننتقد، نعم.
لنحاسب المسؤول، نعم.
لكن بالدليل، وبالحجة، وبالأخلاق، وباحترام كرامة الإنسان.
لأن وادي زم تستحق أكثر من «حوار الحمقى».
وتستحق أن يكون التنافس فيها على من يخدمها أكثر، لا من يسيء إلى الآخر أكثر.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0