بقلم: عبد الإله شفيشو / فاس
لقد صدق ما ورد عن نبي الإسلام محمد بن عبد الله في حديثه :(سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصّدق فيها الكاذب ويُكذّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة…قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة).
هذا ما تفعله بعض مواقع صحافة صنع التفاهة في وطننا، فقد جعلت من التافهين قدوة وأعطتهم فرصة ليتكلموا في أمر العامة، متناسين أنهم يسطرون لتاريخ قمة في الانحطاط. بل تحولت من نصرة الثقافة إلى نصرة التفاهة، والمؤسف أن الكل ينساق معها بدون وعي منهم بخطورة هذه الأمور التي تصنع جيلاً تافهاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى. والخطير أن بعض المواقع التي تبحث عن النقرات فقط من أجل الربح تحاول جاهدة أن تجعل ما تقدمه هو معلومة مهمة ورسالة هادفة، وتحاول تغليفها بأغلفة تجعلها أسمى الرسائل، وبهذا وبدون وعي تتلاشى القيم والمبادئ الجميلة التي تغلب على المجتمع المغربي، ليصبح مجتمعاً تافهاً كتفاهة من يسيرون شؤونه السياسية والاجتماعية والثقافية.
لقد خرج قوم يبشرون باكتشاف مهنة جديدة، يقولون من دون استحياء أنهم صحافيون يحملون هاتفا نقالا ولا يحملون ورقة ولا قلماً، وينشرون الضحالة والتفاهة ويروجون للسطحي ويهللون للفارغ الأجوف. فالوصفة الصحافية عندهم هي تسجيل تصريح قصير أو طويل، وهم يرددون (الجمهور يريد هذا). صحيح أن السفالة والضحالة لم تتوقف على الصحافة فقط في المغرب، وإنما امتدت لتشمل نوعية من القراء والمتابعين، هؤلاء الذين يسميهم الشاعر الإسباني Pedro Salinas "الأميّين الجدد"، والذين لولاهم لما أصبحنا نعايش أبواقاً تلبس الجديد من الثياب وتطلق على نفسها لقب صحافيين. تحولت الصحافة معهم لشيء هجين يشبه مسخاً حقيقياً ورهينة بيد من يصنع الفرجة بطريقة الحلقة.
لقد نجحت صحافة صنع التفاهة في توجيه المدفعية الثقيلة لضرب ما تبقى من قيمة القيم داخل المجتمع، وتزييف وتشويه مقصود لمطالب الشعب التاريخية، ونشر الأوهام وسط الشباب، وغض الطرف عن الفساد والفاسدين، وتقديم الولاءات بالمناسبة وبدونها، وصولاً للتغييب الممنهج لكل خبر يهم الشعب في حياته اليومية التعسة، مقابل ترويج معلومات خاطئة. وتتوالى الظواهر السلبية لدى صحافة صناع التفاهة، ويرتفع الاهتمام بأخبارها التي ترتبط غالباً بالجريمة والغيبيات، دون إعطاء الاعتبار للشكل والمضمون، بل الأهم هو الهرولة لبث المادة في انتظار انفجار أرقام المشاهدة. فأصحابها يحملون كاميرا مع عصا عليها لوغو، ويجوبون شوارع المدينة، يسألون الناس عن كل شيء وعن لا شيء يمكن أن يصنع لهم BUZZ أي خلق الفرجة الشعبوية، دون تحمل عناء لا التصحيح ولا حذف الخبر الخاطئ.
وحتى لا نجعل من صناع التفاهة مشاهير كما هو في كل ربوع الوطن، فإن صحافة صنع التفاهة تريد من المواطن المغربي أن لا يفهم، فشعارها اللاوضوح والضبابية، لأنها فقدت معانيها النبيلة وأصبحت تجارة رابحة وتافهة. فبعد أن كانت ضمير المجتمع الناطق باسمه، أصبحت شيطان المجتمع الكاشف لعوراته وفاضح لأعراضه.
لقد أصبحت الصحافة بشكل عام، التي نحتفل بيومها العالمي كل سنة، ووسائل الإعلام المغربية بشكل خاص، صناعة يحركها هاجس المصلحة والتسويق. فنشر التفاهة جعل الصحافي الذي يحوز بطاقة صحافية يستيقظ صباحاً ليصور بشاشة هاتفه الذكي كل ما يراه أمامه، من دون الأخذ بعين الاعتبار أدنى شروط هذه المهنة النبيلة. حتى صارت مهنة المتاعب لا تحتوي أي متاعب، وإنما بكبسة زر واختيار موضوع تافه. ها هو يحمل اسم صحافي فيسبوكي يطرح أسئلة فيها كل شيء إلا ركن السؤال الصحافي المهني.
كمستخدمين للمواقع الاجتماعية، يجب تجاهل هؤلاء لكيلا يزداد حجمهم وخطورتهم، حتى نحد من ارتفاع نسب التفاهة الاجتماعية والخوض في تتبع أعراض الغير. فالنفس البشرية مجبولة على حب اتباع هوى الفضائح وحشر الأنف فيما لا ينفعها، فقد أفلح من زكاها، وكل اهتمام بمحتوى تافه لن يخدم إلا مبايعة شخص غير مفيد لكي يأخذ اهتمام الصحف والمواقع ويصبح نجماً على عرش مستنقع من التفاهة تغذيه بعض الصحافة التي لا يهمها سوى ربح المال، مع أن دورها الرئيسي هو تثقيف العامة وليس استبلادهم.
فكل إنسان يفكر بوعي عليه ألا يضيع وقته وفكره في متابعة التفاهات، وإلا سيكون مساهماً في تدني المستوى الثقافي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0