الدكتور محمد نشاط: محام بهيئة سطات ودكتور في الحقوق ومهتم بالقانون الرياضي
أثار القرار الصادر عن الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) بشأن الأحداث التي واكبت نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 الذي احتضنه المغرب في ديسمبر 2025، نقاشًا موسّعًا حول العقوبات المفروضة وطبيعتها و توازنها، في اغفال تام إلى تسليط الضوء على الأساس القانوني الذي بُني عليه القرار، والجهة المختصة بإصدار هذه العقوبات، وحدود ولايتها في مواجهة أفعال تتجاوز مجرد الإخلال الانضباطي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة قانونية جادة لهذا القرار تقتضي تجاوز منطق الانطباع أو الموقف العاطفي، والعودة إلى تفكيك التكييف القانوني للأحداث ومدى انسجامه مع لوائح الكاف ومع المبادئ العامة التي تحكم العدالة الرياضية.
ان الوقائع التي شهدها النهائي، كما وردت في تقارير إعلامية ورسمية، لا يمكن اختزالها في مجرد احتجاج تقليدي على حكم المباراة أو قرارات تقنية، بل تضمنت عناصر إضافية تمثلت في انسحاب مؤقت للمنتخب السنغالي من أرضية الملعب، وأعمال جماهيرية تجاوزت حدود الضبط داخل الملعب، وسلوكات وتصرفات يؤخذ عليها المدرب واللاعبون.
وبناءً على هذه الوقائع والمعطيات، يطرح سؤال قانوني جوهري ،هل نحن أمام مخالفة انضباطية عادية، أم أمام أفعال تتجاوز الإطار الانضباطي لتكون انتهاكات ذات طابع أخلاقي ؟او بصيغة اخرى هل نحن أمام سلوك يمس بجوهر القيم التي تقوم عليها المنافسة الرياضية؟.
هذا السؤال ليس نظريًا او ترف فكري، بل يترتب عنه تحديد اللجنة المختصة داخل الكاف التي لها حق البت في الملف، والنصوص الواجبة التطبيق، ونطاق العقوبات الممكنة.
ان الجواب عن هذا السؤال المحوري يقتضي الرجوع الى الاختصاص الطبيعي للجنة الانضباط وحدوده المحدد في لوائح الكاف التأديبية ولوائح المسابقات التي تنظم المخالفات والعقوبات المرتبطة بها.
وبإطلالة على لوائح الكاف التأديبية تبقى لجنة الانضباط الهيئة المختصة بالنظر في الإخلال بقواعد اللعبة ،والسلوك غير الرياضي داخل الملعب والاحتجاجات غير المشروعة، ورفض استكمال المباراة أو تعطيلها، غير أن هذا الاختصاص، رغم اتساعه، يبقى مرتبط بمنطق الحدث الرياضي في بعده التقني والتنظيمي، أي ما يقع داخل إطار المباراة باعتبارها منافسة تخضع لقانون اللعبة وإجراءاته، لكن هل تبقى مختصة حتى عندما لا يكون الفعل مجرد خرق لقاعدة تنظيمية، بل سلوكًا يمس بمبادئ النزاهة والروح الرياضية؟
فما قام به مدرب المنتخب السينغالي واللاعبين واعضاء الطاقم التقني ليس احتجاج عابر ولا يُعد فقط مخالفة لقواعد المسابقة وانما انسحاب متعمد وسلوك مرفوض رياضيا، بل إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص ومساسًا بصورة المنافسة وخرقًا لقيم المروءة والشرف الرياضي التي يفترض أن تحكم سلوك المنتخبات، وهو امر ثابت ولا يحتاج حتى الى تقرير الحكم او مراقب المباراة لان اي تقرير خارج ما وثقته العين المجردة وما شاهده كل من تتبع المباراة يعد تضليلا للحقيقة ومحاولة لقلب الاحداث والباسها لباس غير ما وثقته العين والكاميرات المنصوبة في كل جنبات الملعب، وبالتالي يصبح التكييف الانضباطي وحده قاصرًا عن استيعاب البعد القيمي للسلوك مما يستدعي نقل تلك الوقائع من مجرد احتجاج عابر الى سلوك غير اخلاقي يستدعي تدخل ليس لجنة الانضباط وانما لجنة الأخلاقيات كإطار قانوني أكثر اتساعًا، لان هذه الهيئة القضائية داخل الكاف لم تُنشأ لمعالجة المخالفات الشكلية، بل لحماية نزاهة كرة القدم وصورة المنافسات والقيم الأساسية للرياضة، ويمتاز اختصاصها بكونه لا ينحصر في النصوص التأديبية الصرفة المضمنة بلوائح الكاف بل يسمح بالاستناد إلى المبادئ العامة للأخلاق الرياضية ومنفتحًا على لوائح الفيفا ذات الطابع الأخلاقي .
فالأفعال التي ارتكبها مدرب ولاعبوا المنتخب السينغالي خرجت عن منطق الاحتجاج المشروع وبالتالي كان من الممكن – قانونيًا – إخضاعها لنقاش أخلاقي أعمق، بدل حصرها في توصيف انضباطي تقليدي ،اضف الى ذلك ان عرض النزاع على لجنة الأخلاقيات لا يهدف فقط إلى تشديد العقوبة بقدر ما يهدف ايضا إلى تصحيح التكييف القانوني للسلوك، وترسيخ رسالة مؤسساتية مفادها أن كرة القدم الإفريقية لا تحاسب فقط على خرق القاعدة، بل أيضًا على المساس بروح اللعبة.
وعطفا على ذلك وبعيدا عن التحليل السطحي للقرار، فان الكاف من خلال القرار الصادر عنها يبدو أنها اختارت المسار الأكثر أمانًا إجرائيًا، أي لجنة الانضباط، لما يوفره هذا المسار من وضوح النصوص وتحديد مسبق للعقوبات وتقليص هامش الطعن في الاختصاص ،غير أن هذا الاختيار، رغم مشروعيته الشكلية، يطرح تساؤلًا مشروعًا ، هل يكفي احترام الشكل والإجراءات لتحقيق العدالة الرياضية، أم أن الأمر يقتضي أحيانًا الذهاب أبعد في التكييف حمايةً لقيم اللعبة؟.
في قراءة نقدية متزنة للقرار من زاوية قانونية بحتة، فان اول ما يجب التأكيد عليه ان قرارات الكاف، مهما كانت صادرة عن جهاز قاري، تظل قرارات إدارية/تأديبية قابلة للنقاش والتقييم القانوني وعليه فان من أهم نقاط ضعف القرار عدم ربط الوقائع بشكل دقيق بالنصوص التأديبية المطبقة، مما يكون قد اكتفى بالإدانة دون بناء متين، وهنا يبرز خلل في مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، وهو مبدأ أساسي في التأديب الرياضي والقانوني عمومًا. فلجنة الانضباط قيدت نفسها داخل مواد تقليدية (سلوك غير رياضي، فوضى، احتجاج…)، بدل توصيف قانوني أعمق، اذ كان ممكنًا الاستناد إلى مواد أخرى كتلك المتعلقة بحماية نزاهة المنافسات وصورتها، وايضا المتعلقة بالإضرار بصورة الاتحاد أو البطولة ،او الإخلال الجسيم بسير المسابقة، وبالتالي السؤال المشروع لماذا تم تغليب مقاربة "سلوكات داخل مباراة" على مقاربة "الإضرار الجسيم بالمنافسة"؟
ان تغليب هذه المقاربة افضى الى قرار وضع المغرب (جامعة وتنظيمًا) في موقع أقرب إلى المتسبب بدل اعتباره ضحية سلوك خارج عن إرادته، وهذا يُعد خرقًا لمبدأ شخصية العقوبة وتفريد المسؤولية، كما انه لم يراعِ المسؤولية المحدودة للجامعة عن أفعال الغير، والأخطر من ذلك أنه خلق انطباعًا عامًا بأن المغرب طرف في الإخلال، بدل كونه متضررًا منه.
فالكاف في لوائحها وخطاباتها الرسمية، تؤكد على الروح الرياضية واحترام المنافس والقيم الأخلاقية للعبة، لكن القرار لم يُفعّل هذه القيم كمعيار لتشديد المسؤولية على الطرف الذي أخل بها وبالتالي السؤال لماذا لم تفعل الكاف هذه المقتضيات القانونية؟ ونحن من خلال هذه الاسئلة لا نريد الخوض في امور خارج القراءة القانونية للقرار .
ان قرار لجنة الانضباط بالكاف، بدل أن يشكل لحظة ترسيخ للعدالة التأديبية، فضّل منطق "المحاباة" على منطق "المساءلة القانونية"، أدت عمليًا إلى مساواة غير عادلة بين المتسبب والمتضرر، وإلى تحميل المغرب تبعات أفعال لم يكن فاعلًا فيها، وهو ما يجعل القرار، في جوهره، أقرب إلى رسالة مجاملة للاتحاد السنغالي منه إلى حكم تأديبي منصف وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت الاعتبارات القانونية وحدها قد حكمت صياغة القرار، أم أن هواجس تدبير المشهد الكروي القاري قد حضرت بقوة في خلفيته؟.
ما شهده النهائي لا يمكن اختزاله في مجرد مخالفة تنظيمية، بل يمتد إلى الأبعاد الأخلاقية والسلوكية التي تمس جوهر القيم الرياضية، وبغض النظر عن امكانية قبول القرار للطعن بالاستئناف امام اللجنة المركزية للاستئناف داخل الكاف ،تبقى ايضا مكنة عرض النزاع على لجنة الأخلاقيات خيارًا قانونيًا متاحًا، حتى بعد صدور العقوبة التأديبية عن لجنة الانضباط، طالما أن الهدف منه حماية نزاهة المنافسة وصون صورة اللعبة والمنتخبات الوطنية.
وفي هذا الإطار، يقع على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مسؤولية مباشرة وواضحة في حماية صورة مؤسساتها ومنتخباتها أمام الرأي العام والإعلام، وضمان احترام القيم الأخلاقية والروح الرياضية التي تُعدّ جزء من التزاماتها القانونية تجاه الكاف والفيفا، والتأكد من استيفاء كل المساطر القانونية والأخلاقية ، بما يعزز مصداقية قراراتها، لأنه من الناحية القانونية، صدور القرار التأديبي لا يسقط حق الجامعة في عرض النزاع على لجنة الأخلاقيات بالكاف، ولا يُلغي التزاماتها نحو حماية النزاهة والمنافسة الشريفة، خاصة أن التكييف الانضباطي الذي سلكته الكاف لم يستوعب خطورة بعض السلوكيات أو أبعادها الأخلاقية وبالتالي، يمثل هذا الإجراء تنبيه قانوني واضح إلى جميع الأطراف المعنية، الجامعة، الكاف، والمنتخبات، بأن المساءلة الأخلاقية ليست خيارًا شكليًا، بل واجب مؤسساتي ملزم، ويظل مفتوحًا طالما لم يُستنفد، لضمان حماية صورة كرة القدم الإفريقية على المستويين الوطني والقاري.
خلاصة القول ،إن أحداث نهائي كأس إفريقيا تبرز من جديد إشكالية متجددة في العدالة الرياضية الإفريقية ،إلى أي حد نكتفي بتطبيق النصوص، وإلى أي حد نفعل القيم التي وُضعت هذه النصوص لحمايتها؟.
فالعدالة الرياضية لا تُقاس فقط بمدى احترام الإجراءات، بل بقدرتها على حماية جوهر المنافسة وصون مصداقية اللعبة، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه الكاف والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على حد سواء، ويستدعي تفعيل كل المسارات القانونية والأخلاقية المتاحة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0